وضعت اتفاقية السلام الشامل حداً للاقتتال في جنوب البلاد ووضعت أساسا متيناً للعلاقة السوية بين كل إنحاء السودان وأتاحت فرصة لسكان جنوب السودان لاختيار الوحدة الطوعية او الانفصال واستبشر الناس خيراً وكان الظن ان إنفاذ الاتفاقية بروح المسئولية الوطنية بعيداً عن المكاسب لهذه الجهة أو تلك سوف يودي بطبيعة الحال الي الوحدة الجاذبة علي أسس جديدة ترتكز علي المواطنة والمساواة والديمقراطية والحكم الفدرالي الحقيقي ،ومنذ البدء في إنفاذ الاتفاقية جرت مياه كثيرة تحت جسر الاتفاقية وفي أحيان كثيرة كادت المياه ان تجرف هذا الجسر وتلقي به علي قارعة الطريق النظرة الفاحصة للإشكاليات التي واجهت الاتفاقية وتسببت في عدم اتفاذها بالطريقة السلسة نجدها تنحصر في غياب الثقة بين طرفي الاتفاقية رغم وضوح النصوص فالنصوص وحدها غير كافية في حسن تطبيق الاتفاقيات ، النوايا الحسنة والمصلحة العامة عنصران أساسيان في انفاذ الاتفاقيات .
والاّن يستطيع المحلل القول بان المؤتمر الوطني اقدم علي هذه الاتفاقية ليس بدفع من قناعات ذاتية بضرورة لملمة اطراف الوطن باحقاق الحقوق ووضع حد للاحتراب في وطن يسع الجميع علي قدم المساواة ولكن الذي دفع بالمؤتمر الوطني صاحب الشعار ( التوجه الحضاري ) الذي اوجد استقطابا حاداً كان التصدي له قويا عندما كانت الانقاذ لحمة واحدة تحت قيادة رشيدة واعية ولكن النظام تراجع منذ 1999م نتيجة ضعفه وخلله ومواجهته لجبهات قتال داخلية ومعارضة مدنية وعداء إقليمي ودولي فقرر المؤتمر الوطني ان التوقيع علي نيفاشا بالرعاية الدولية .
والوعود البراقة هي أفضل السبل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه مادام انه ينال نصيب الأسد ليحافظ علي التمكين ، وبالقابل فان الحركة الشعبية قصدت من التوقيع تحرير السودان من هيمنة الأقلية العربية او قوي السودان القديم وتكوين السودان الجديد العلماني في مواجهة الإسلام والعروبة هكذا نجد ان كل طرف دخل الاتفاقية بأجندة وان النية كانت مبيتة بعدم إنفاذ كثير من نصوص الاتفاقية مثل ابيى( الغني بالبترول ) وترسيم الحدود ، والترتيبات الأمنية وحتي التوظيف ومنذ اول يوم ظهر النتازع حول الوزارات السيادية وحول البترول وهلمجرا ..... اما قضايا الوحدة وإزالة المظالم التاريخية وتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان وإعادة الثقة للإنسان السودان بقدرة قادته علي حلحلة مشاكله كل هذه القضايا غابت تماما بدليل ان حالة حقوق الإنسان لم تتحسن بل ساءت في كثير من الأحيان اما الوحدة الجاذبة فلا احد يسمع لها ركزاً اصبح التيار الانفصالي هو الغالب ، اما التحول الديمقراطي فمثل السراب لا نعرف له وجهة وحتى الانتخابات الموعودة ان قامت في ظل هذه الظروف فستكون ضررها اكبر من نفعها ما عاد ينفع تذكير طرفي الاتفاقية بأطروحاتهم الفكرية المؤتمر الوطني صاحب المشروع الحضاري يدرك قوله تعالي ( وأوفوا بعهد الله اذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ( ( ولا تكونوا كالت نقضتغزلها من بعد قوة انكاثا تتخذون إيمانكم دخلا بينكم )امر العهود ليس امراً سهلا توقع هكذا وانت تبيت النية بعدم إنفاذها ان العهد كان مسئولا.
هذه المعاني لا تحرك هؤلاء . التمكين في السلطة وحده الثابت ودونه المهج ولله في خلقه شئون ، السلطة والثروة أهم من الايدلوجية , اما الحركة الشعبية كان عليها ان تدرك صعوبة الاستحواذ علي السودان تحت مظلة التيارات العلمانية والعداء للعروبة والإسلام ، والواقع يقول ان الحركة عجزت عن تسويق أطروحاتها للسودان الجديد وتحريره من العروبة والإسلام انكفأت الي الحديث عن تحرير جنوب السودان الخلاصة ان طرفي الاتفاقية من مصلحتهما التمكين الحزبي الثنائي حتى ان خالف هذا التمكين تطلعات الشعب للديمقراطية والوحدة . ربما اتفقا علي ان مصلحة السلطة والثروة اهم من الأفكار والرؤى السابقة فيقيما نظاماً واحداً شموليا في دولتين .
بهذه العقلية المصلحية ادار طرفا الاتفاقية الشأن العام منذ التوقيع عليها فتأزمت القضايا اكثر واتسعت االشقة بين أبناء الوطن الواحد وغابت الإرادة الوطنية تماما وسجلنا فشلا ذريعا في مقدرتنا علي مواجهة مشاكلنا ، أصبحت الحكومة المسمي بحكومة الوحدة الوطنية محلا للتشاكس والتنافر وعجزت هذه الحكومة في ادارة الشأن العام ففي كل مرة تنشأ مشكلة يلتمس الطرفان الحل من الخارج ، ففي قضية ابيي عجزا تماما فاحتكما الي المحكمة الدولية وبما ان هنالك شكوك في قبولهما لقرار المحكمة أيضا يلتمسان تدخلا دوليا بضمان الالتزام بالقرار ، وألان ذهب وفدان من طرفي الاتفاقية الي واشنطن لمناقشة خلافاتها برعاية أمريكية والوفدان ينتميان لحكومة واحدة وزراء ومستشارين أى عبث هذا أمريكا التي كانت دني عذابها أصبحت أكثر حرصا علي وحدة السودان وعلي إنفاذ الاتفاقية ، الكل يتودد إليها وأمريكا لا تفعل شئّ لوجه الله ولا حبا لسواد عيوننا لأمريكا استراتجيتهافي الوقت الذي نفتقر فيه الي أي استراتيجية واضحة المعالم ، كما سبق ان صرح بذلك د/غازي الذي يقود وفد الحكومة لمفاوضات واشنطن الذي قال ان حكومة المؤتمر الوطني تدير الشأن العام بدون رؤّية واضحة ( عمل اليوم باليوم ) ومن العجيب ان هذا الرجل الذي فشل في ادارة الحوار مع الحركة الشعبية وتسبب في كثير من المعوقات حتي أحيل الملف لشخص اّخر هذا الرجل مازال مسكونابهواجس عنصرية واستعلاء ومع كل ماضيه في هذا المضمار وفشله يوضع ملف دارفور بين يديه ويفوض للحوار مع الحركة الشعبية ، علي ايه ما يدور في واشنطن ان دل علي شئ إنما يدل علي فشل الحكومة وطرفي الاتفاقية في معالجة المشاكل العالقة والتي سوف تؤدي في حالة عدم معالجتها بصورة شاملة الي ما لا تحمد عقباه خاصة فان الفترة المتبقية من عمر الاتفاقية جد، قصير فهل تفلح الحكومة في تد ا رك الأمر أّم تودي بنا جميعا الي الهلاك . علي الطرفين ان يتذكرا ان القوى الشعبية خارج الاتفاقية والتي لا تمثل برنامج الحكومةتنطلق من أجندة تعترف بالمظالم التاريخية الثقافية والاقتصادية والخدمية التي لحقت بالتجربة السودانية وبالتعددية والتوازن التنموي والخدمي والحكم الفدرالي والوحدة هذه القوي ليست نائمة او غير قادرة علي فعل شئ كما تظن الحكومة ولكن تستعد وترتب حالها لإنقاذ السودان من هذه الثنائية التي تريد ان تتقاسم السودان وحينها تدرك الحركة ان إشراك القوي السياسية في هذه الاتفاقية يمثل الضمانة الأكيدة لإنفاذها بصورة تحقق المقاصد وتجعل الوحدة جاذبة وحتى لأتقول الحركة ولات حين مناص فهل تملك الإرادة والقدرة والرغبة في انقاذ الاتفاقية والسودان ام أنها تغرق في شبر موية ننتظر لنري.